ابن كثير
328
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وكنت إلى جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال بعضهم : واللّه يا رسول اللّه لنعم المرء كان ، لقد كان عفيفا مسلما وكان . . . وأثنوا عليه خيرا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أنت بما تقول . فقال الرجل : اللّه يعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجبت وجبت ، ثم شهد جنازة في بني حارثة وكنت إلى جانب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال بعضهم : يا رسول اللّه بئس المرء كان إن كان لفظا غليظا فأثنوا عليه شرا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لبعضهم : أنت بالذي تقول . فقال الرجل : اللّه أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : وجبت . قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم قرأ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ثم قال الحاكم : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد حدثنا داود بن أبي الفرات عن عبد اللّه بن بريدة عن أبي الأسود أنه قال : أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض فهم يموتون موتا ذريعا ، فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت به جنازة فأثني على صاحبها خيرا ، فقال : وجبت وجبت ، ثم مر بأخرى فأثني عليها شرا ، فقال عمر : وجبت . فقال أبو الأسود : ما وجبت يا أمير المؤمنين قال ، قلت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله اللّه الجنة » قال : فقلنا وثلاثة قال : فقال « وثلاثة » قال : فقلنا واثنان : قال « واثنان » . ثم لم نسأله عن الواحد . وكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به . وقال ابن مردويه حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى حدثنا أبو قلابة الرقاشي ، حدثني أبو الوليد حدثنا نافع بن عمر حدثني أمية بن صفوان عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالنباوة « 1 » يقول : « يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم » قالوا : بم يا رسول اللّه ؟ قال : « بالثناء الحسن والثناء السيء أنتم شهداء اللّه في الأرض » ، ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون ، ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمر وشريح عن نافع عن ابن عمر به . وقوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يقول تعالى : إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ، ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبه ، أي مرتدا عن دينه وإن كانت لكبيرة ، أي هذه الفعلة وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة ، أي وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس إلا على الذين هدى اللّه قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول ، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه ، وأن اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك بخلاف الذين في قلوبهم مرض ، فإنه كلما حدث
--> ( 1 ) النباوة : موضع بالطائف .